الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي

263

محجة العلماء في الأدلة العقلية

وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ الآية والاستدلال بها أعجب حيث إن كتمان البيّنة عبارة عن اخفاء ما يوجب العلم فبعد ما نصب اللّه تعالى علما للهداية وأوضح الحقّ فالذي يكتمه ويحجب بينه وبين الناس يستحق اللّعن الدائم والعذاب الخالد وهذا المعنى غنى عن البرهان لا ربط له بحجيّة خبر العدل تعبدا كالمناقشة والوسوسة في دلالة آية الغدير ودلالة قوله تعالى إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ الآية بما تضحك منه الثكلى ولا منشأ له الّا الجحود والعناد وحبّ الدّنيا وانكار المعاد والحاصل ان البيّنة عبارة عمّا يوجب في نفسه وضوح الامر وتبيّنه والهدى في هذا المقام اطلق مبالغة على ما هو سبب للهداية وعلة لها وما لا يفيد العلم من الخبر الواحد ليس كذلك مع أن التقييد بالبيان في الكتاب ناظر إلى امر مخصوص وقضيّة شخصيّة فان التبدل لا دخل له في الحكم وكيف كان فعدم دلالته على حجيّته ما لا يفيد العلم واضح وحيث اتسعت دائرة الاستدلال حتى كادوا يستدلون بسورة التوحيد وفاتحة الكتاب والبقرة وآية وطمع في الاستدلال به من لم يبلغ تلك الرّتبة فاستدل بقوله تعالى فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ * الآية وقد تكلف في تقريب الدلالة بما لا ينبغي التعرض له مع أن من المعلوم انّ الآية الشّريفة في مقام الالزام للكفار الذين كانوا يزعمون أن الرسول لا بد ان يكون ملكا وهذا بشر كما هو صريح الآيات فقال تعالى وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ يعنى ان هذا امر واضح وان كنتم ممّن لا يدرك الواضحات وممن لا يعلم فاسئلوا من يعلم حتى يفهمكم ويعلمكم ان الرسل لمبعوثين كانوا بشرا لا ملكا فان من لا يستطيع ان يفهم شيئا بنفسه فهو بمقتضى جبلته يتشبّث بمن يفهمه ويعلمه والحاصل ان هذا اتمام للحجة على من انكر النبوّة استنادا إلى انّه رجل مثلكم يأكل ممّا تأكلون ويلبس ممّا يلبسون لا انه في مقام تشريع التعبد بخبر العدل ولو فرض انه في هذا المقام فاعتبار كونه من أهل الذكر لا يلائم الا التقليد فان الرواية لا يتوقف اعتبارها الّا على العدالة والتمكن من حفظ الالفاظ أو التعبير بما يساوقها والذكر عبارة عن العلم في المقام منها قوله تعالى في آية أذن ومن الآيات قوله تعالى وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وهذه الآية تدلّ على أن النبىّ صلى اللّه عليه وآله وسلّم لم يكن يعتمد على قول بعض المؤمنين لأنهم كانوا منافقين في الواقع ومظهرين للايمان بل انما كان يظهر التصديق لهم مع تبين نفاقهم وكذبهم لئلا ينفروا ويفتضحوا واين هذا من العمل بخبر العدل فان المنافقين بمقتضى صريح هذه الآية في مقام الايذاء للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم قالوا إنه اذن يعنى انه يصدق بكل ما يسمع ويعتقد بخبر كل مخبر من غير فرق بين ان يكون المخبر هو اللّه تعالى وبين ان يكون المخبر منافقا ينافي خبره ما اخبره به اللّه تعالى فان سبب نزولها انه نمّ منافق على النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم فأخبره اللّه تعالى بذلك واحضره وسأله فحلف انه لم يكن شيء ممّا ينم عليه فقبل منه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم فاخذ هذا الرجل بعد ذلك يطعن على النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم ويقول إنه يقبل كلما يسمع اخبره اللّه تعالى انّى انم عليه وانقل اخباره فقبل فأخبرته انى لم افعل فقبل فردّه اللّه تعالى بقوله لنبيّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم قال اذن خير لكم فمفاد الآية ان ما رمى به النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم من تصديقه للخبر الصادر عن النّاس انما هو صوت